استراتيجيات التدريس، المفهوم والأهمّية

2023-04-30

استراتيجيات التدريس، المفهوم والأهمّية

 

لم تكن عملية التدريس في الماضي – حتّى الماضي القريب - عملية مركبة ومعقدة كما هي اليوم، لقد كانت تُمارس ببساطة كبساطة الإنسان والحياة في تلك الآونة. والحقيقة أنّه لم يكن التدريس فقط كذلك، بل إنّ العملية التعليمية بكلّ مكوناتها، وعناصرها، وعملياتها، وممارساتها كانت تتسم بالبساطة والعفوية.

طلاّب يتميزون بصفاء الذهن، مقبلون على الحياة، متطلعون بشغف إلى ما حولهم، لديهم قابلية عالية للتعلّم.

معلّمون متفرغون للتعليم، لا تشغلهم سياسة ولا رياضة ولا اقتصاد، ولا تتناوشهم فرقٌ وأحزاب، همّهم وشغلهم تربية النشء وتعليمه.

بيئة صفيّة تعليمية غاية في البساطة والهدوء، ومنهج مدرسي واضح ومحدّد، وإدارة تربوية مشفقة ومجتهدة.

لم يكن التدريس في المدارس النظامية قديماً بحاجة إلى معلّمين معدّين إعداداً عالياً، فالمعرفة محدودة، والأهداف متواضعة، والموارد شحيحة، والمعلّمون قليلون. لقد كان مجرد معرفة الفرد بقدر قليل من العلوم، أو إلمامه ببعض الثقافة العامة كافياً لتُسند إليه مهمّة التدريس! فتسنّى للتعليم من ليس أهلاً له! حتّى قيل في هذا الباب: التدريس مهنة من لا مهنة له!.

وبتقدّم العلوم وتطوّر المعرفة، وخصوصاً علم النفس وعلوم التربية، كعلم المناهج وطرق التدريس، والإدارة التربوية، وتقنيات التعليم، وغيرها، تنامت وتوسعت المعرفة المرتبطة بالتدريس، فأضحى التدريس مجالاً ثرياً خصباً، ارتقى به العمل التدريسي ليصبح مهنة عليا لها أسسها ونظامها ومكوناتها وكفاياتها ومهاراتها، وأصبح لزاماً على من يرغب الانتماء لهذه المهنة، والعمل في التدريس أن يخضع لعدّة سنوات لبرنامج خاص بإعداد المعلّمين وتأهيلهم.

إنّ التركيبة الحديثة للتدريس جعلت منه عملاً مركّباً ومعقداً، فهناك حاجة للإلمام بقدر كبير من المتغيرات، خصائص المتعلمين، وأهداف ونتاجات، وخطط ونماذج تدريسية، وأدوات ووسائل تعليمية، وأنشطة تعليمية تعلّمية، وطرائق وأساليب تدريس، وعمليات قياس وتقويم، وتغذية راجعة. وجوانب عدّة يطول المقال بحصرها!

كلّ هذا جعل من التدريس عملاً ضخماً ذا أهداف متنوعة يحتاج إلى عمليات تخطيط طويلة وقصيرة المدى، وتوظيف للبيئة وللإمكانات والموارد المتاحة، واتخاذ القرارات المناسبة لغرض تحقيق هذه الأهداف، ومن هنا جاء مصطلح ( استراتيجيات التدريس ).

إذن فاستراتيجية التدريس تعني: فنّ تحقيق الأهداف التعليمية والتربوية داخل البيئة التعليمية، من خلال التحكم في جميع مكونات التدريس ( الخطط والإجراءات والعمليات والطرق والأدوات والأساليب وغيرها ) وتوظيفها التوظيف الأمثل.

 

ووفق هذا المفهوم فإنّ مصطلح ( استراتيجية التدريس ) لا يُعدّ في الواقع مرادفاً لمصطلح ( طريقة التدريس ) كما يظن البعض، بل إنّ طريقة التدريس مُكوّن من مكونات استراتيجية التدريس، ولعلّ سبب هذا اللبس يرجع في الغالب إلى تسمية كثيرٍ من استراتيجيات التدريس بأسماء طرق التدريس. مثل: استراتيجية لعب الأدوار، واستراتيجية الاكتشاف، وهكذا.

وفي ظنّي أنّ سبب هذه التسمية يرجع إلى كون (طريقة التدريس) أبرز وأهمّ مكون من مكونات التدريس. كما أنّنا نجد أسماء بعض استراتيجيات التدريس ترتبط بمكونات أخرى بارزة، كاستراتيجية التعلم التعاوني التي ارتبط اسمها بالعمل التعاوني في التدريس، واستراتيجية التقويم البنائي التي ارتبط اسمها بعملية التقويم البنائي المستمر. ومعنى هذا أنّنا عندما نقول: (استراتيجية التعلّم التعاوني) فإنّنا نقصد استراتيجية التدريس التي تقوم على التعلّم التعاوني. واستراتيجية التقويم البنائي تعني الاستراتيجية التي تقوم على عملية التقويم البنائي، وهكذا.

وأمر آخر مهم تجدر الإشارة إليه هنا في هذا السياق، وهو أنّه إذا كان اختيار طريقة التدريس يستند إلى طبيعة موضوع الدرس، ومدى مناسبتها لعرض المحتوى التعليمي بطريقة فعّالة، فإنّ اختيار استراتيجية التدريس يعتمد على طبيعة الأهداف التعليمية والتربوية المرجوة، ومدى إمكانية تحقيقها من خلال تطبيق الاستراتيجية المختارة.